فضيلة قرين FADILA GRINE

8 دقائق للقراءة

من المديح المتصنع والمجاملة الفارغة... إلى التقدير المستحق.

مواجهات مع نفس تحب المديح وتسعد بالمجاملات حتى حين يكون فيها الهلاك.


جبلت النفس البشرية على حبّ الاستحسان، وقلّما تنجو من فتنة الثناء إذا توالى عليهاوتكرّر، حتى تظنّ أن ما يُقال فيها هو حقيقتها، لا صورة مصلحةٍ عابرة تلبّست بثوبالإطراء والمديح، وصدق من قال: من عاش على المديح مات بالإهانة. ومن وحيتجربتي، قضيت وقتاً طويلاً في أروقة السياسة والدبلوماسية، في وسط يعجّ بالمديحالمزيّف والمجاملات بأنواعها، الحقيقية منها والفارغة، وانتهيتُ بعد رحلة طويلة إلى أنالتقدير هو الوسيط الصحي الوحيد الذي لا غنى عنه في العلاقات الخاصة والعامة، أماما سواه فهو سمٌّ نتجرّعه وهلاكٌ نسير إليه.

لقد تقلّبتُ في المناصب والألقاب عقدين من الزمان على الأقل، وجالستُ كبارالشخصيات بل وصادقتهم، وتعاملتُ مع أصناف من البشر من كل حدب وصوب،وسمعتُ من الثناء والمديح ما لو تعوّدتُ عليه وأعجبتُ به لأهلكني. وقد كان يسكنني،أثناء ذلك كله، هاجسٌ لا يكاد يهدأ، وتساؤلٌ ملحّ يراودني: أيّ قيمةٍ يضيفها لك كل هذاإن لم تكوني تمتلكين تلك القيمة ملكاً خاصاً بك، خالصاً لا يزول بزوال منصب، ولايُرديك أرضاً إن اعتزلتِ تلك المحافل وهؤلاء الناس وعشتِ في مدينةٍ لا يعرفك فيهاأحد، ولا يستقبلك فيها أحد، وعدتِ إلى الدرجة السياحية والحياة العادية أين لا يشعربوجودك أحد؟

نعم لقد كنتُ أوجع قلبي عمداً حتى لا يهتزّ ولا يختال كلما وجدتُ نفسي عرضة للمديح،لأنني أدركتُ بفطرتي أن ذلك الحضور، وتلك الرفقة، لن تضيف إليّ قيمة ولا عظمة، ولنتزيدني شرفاً لا أملكه. وفعلاً حين تركتُ تلك الحياة، وآويتُ إلى ركنٍ هادئ، لم أفتقدشيئاً من ذلك كله، بل غمرتني راحة وغبطة عظيمة، وكأنني نجوتُ من كرب، لأن الراحةالحقيقية والقيمة الفعلية تكمن في أن يكون الإنسان على طبيعته وفطرته، في الصغيرةوالكبيرة، في السرّ والعلن.

وما بدأتُ بالحديث عن تجربتي لأنني حالة خاصة أو لأنني رائعة، لكنني أردت أن أبوحبالسر في الخروج بأمان، ويكمن في أنني عشتُ سنين طويلة أُحصّن النفس المحبةللاستحسان من غبطة المجاملات، ولم أترك فرصة للمديح كي يغشاني، فقد كنتُ علىيقين أن مصدره منصبٌ أشغله، أو منفعةٌ تنتظر مني، وهو زائل مع زوال ذلك المنصب،فما فرحتُ به يوماً، بل خفتُه طيلة تلك الرحلة، وخشيتُ إن استحسنتُه وأدمنتُه أنيفسد قلبي، وأن أظنّ نفسي صاحبة فضلٍ وكل رائعٍ وجميل. وكان خوفي في محلّه،فحين غادرتُ المناصب تركتُه وراء ظهري، وذهب كلٌّ لشأنه، ولم يبقَ من "الأصدقاء" إلا القلة النادرة من الأصفياء النبلاء، وكم سعدتُ أنني كنتُ مدركةً لذلك، مستعدة كلالاستعداد للتخلي.

نعم إن التجربة تُعلّمنا ما لم تُعلّمنا المدارس والكتب، فقد رأيتُ بأمّ عيني من آل أمرهمإلى ذلٍّ كبير وقهرٍ عظيم حين انفضّ الناس من حولهم، أو تركهم الناس والجاه معاً،وتبيّن لي فعلاً كم كانت تلك البداية التي افتتحتُ بها هذا الحديث صادقة. وإن في هذاالمشهد المتكرر عبرةً نفسية قبل أن تكون اجتماعية. فحين يُبنى الشعور بالذات علىمعطيات خارجية متقلبة كالثناء، فإن غياب الثناء يكون انهياراً مفاجئاً، كمن بنى بيتهعلى رمل متحرك.

وفي زمن العلاقات المعقدة والمتشعبة الذي نعيشه اليوم نحن أحوج ما نكون إلىتعلّم هذا الدرس، لا للترف الفكري بل لأنه طوق النجاة. فكثيرٌ من الناس يدخلون حياتنالا محبةً فينا، بل سعياً وراء مصلحةٍ نحن آخر من يعلم بها، أو منفعةٍ عابرة، ويبتسمونفي وجوهنا، ويُفرغون علينا من المديح ما يذهب بعقولنا كأنهم يسقونك الخمر حتىيتحقق المطلوب، ثم سرعان ما يُديرون وجوههم وظهورهم وإن التقيتهم بعد ذلكبساعات.

وهذه هي طبيعة كثيرٍ من العلاقات، وما أشدّ خطورة أن نجعل من مديح هؤلاء ميزاناًنزن به أنفسنا!

نبّه ابن القيّم رحمه الله إلى جذر هذه الآفة حين قال إن من يعمل لأجل الناس، ابتغاءجاهٍ عندهم، أو خوفاً من ضررهم، أو طمعاً في نفعهم، ليس عارفاً بهم في الحقيقة، بلجاهلٌ بشأنهم وجاهلٌ بربه: "فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلصله أعماله وأقواله". فإن معرفة حقيقة الناس، تقلّبهم وأهواءهم وتبدّل مقاييسهم، هيعين ما يُحرّر القلب من التعلّق برضاهم وكلماتهم.

وليس المقصود بثّ الريبة في القلوب، ولا زعزعة الثقة بين الناس، فالانغلاق يُفضي إلىوحشةٍ ووحشية لا تقلّ ضرراً عن مجاراة الناس والانسياق لهم، لكن الأصل ألا تسمحللثناء أن يخترق أغشية قلبك حتى تأمن مصدره، وحتى حين تثق بالمصدر، فلا تجعلمن رضا أيا كان من الناس غايتك، ولا من ثنائه وقودك، لأنك إن فعلت ستجد نفسكيوماً في العراء وحدك مع حقيقتك، والغالب أنك ستفقد نفسك ومعناك شيئاً فشيئاً،حتى تصبح مرآةً لأهواء الناس وأمزجتهم منعكسة فيك.

ويبدو ذلك ما قصده ابن القيّم في بيته المشهور: "رضا الناس غايةٌ لا تُدرَك، ورضا اللهغايةٌ لا تُترَك، فاترك ما لا يُدرَك، وأدرِك ما لا يُترَك". أما الجمع بين الغايتين فمن المحال،والحكمة أن ندع المستحيل ونتمسك بالحقيقة.

وفي الهدي النبوي ما يُغني عن الناس والسعي وراء رضاهم، فقد روى الترمذي عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: "من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤونةالناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكَلَه الله إلى الناس". فهناك تقابل دقيقبين من يجعل الله مقصده، فيكفيه الله مشقة إرضاء الخلق والتودد إليهم، فيعيشمطمئناً لا يتصنّع ولا يتلوّن ولا يجامل ولا يكتئب إذا نبذه الناس، وبين من أعطى الناسكل مساحاته وجعلهم وجهته ومقصده، فإن الله يكِله إليهم، فيقضي عمره محاولاً أنيُرضيهم، ولا يبلغ الغاية أبداً، لأن رضاهم، كما تقدّم، غايةٌ لا تُدرَك.

والقرآن الكريم قد حذرنا من نتيجةٍ هي أخطر مما نتصوّر بكثير: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَنَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ" (الحشر: 19). هناك ترابط عجيب بين نسيان الله ونسيانالنفس! فمن ينقطع عن ربّ العالمين كمرجعيته الأصلية، وعن الميزان الثابت الذيوضعه الخالق عزّ وجلّ، لن يبقى بلا مرجعية، بل سيجد نفسه فريسةً لمرجعياتٍمتعددة غير مضبوطة تحكمها الأهواء، فيجري الإنسان وراء الناس، وعمره كله يموجبحثاً عن قبول الناس، وهيهات هيهات، فأنى له أن يُمسك سراباً.

والسلف الصالح، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانوا يتحسّسون منالثناء أكثر مما يتحسّسون من الذمّ، إدراكاً منهم لخطورته على الإخلاص، والأنبياءعليهم السلام، وهم أزكى الخلق وأصدقهم، واجهوا أشدّ ألوان النقد والتهكم والتكذيبوالاتهامات الباطلة، ولم يتزعزع لهم يقين، لأن الهدف لم يكن أبداً استحسان أقوامهمواسترضاءهم. وهذا هو سرّ الثبات أمام عواصف السخط والإنكار، وهو ما نفتقده نحنالذين تعصف بنا كل كلمةٍ عابرة، ويهزّنا كل نقد، ويُسعدنا كل إعجابٍ زائف، لأن قيمتناالحقيقية رهينة ألسنة الناس.

ويخاف بعضنا من بُعد الناس وجفائهم حتى الهلع، والحقيقة أن التحرر من أسر الناسورأيهم لا يعزلنا ولا يُبعدنا عنهم، إنما هو ما يُقرّبنا إليهم على نحوٍ أصدق وأعمق. فقدجاء في الحديث القدسي الذي رواه الشيخان: "إن الله إذا أحبّ عبداً، نادى جبريل: إنيأحبّ فلاناً فأحبّه، فيحبّه جبريل، ثم يُنادي في السماء: إن الله يحبّ فلاناً فأحبّوه، فيحبّهأهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض". فالذي استقام قلبه مع الخالق ليس فيحاجةٍ إلى أن يتصنّع لمخلوق، وليس مضطراً أن يتلوّن ويتغير لكل موقف، ودون أنيسعى أو يتملق زيفاً، يجعل الله له باباً إلى القبول والحبّ في قلوب الناس، فرضاصاحب القلوب هو الهدف والوسيلة إلى محبة الناس.

هذه هي المعادلة حين يكون الميزان هو نظر الله لا نظر الناس، حينها فقط ندرك أنالسعي إلى استحسان الخلق ورضاهم سحابة صيف، قد تأتي ساعة أو يوماً وبعض يومثم تتبخر وتزول، فهل يبني أحدٌ سعادته وحياته على زائل متقلب، يُسعده كلامٌ ويُشقيهغيره؟

وأما من يهمّه رضا الله وحده، فتجده يمشي بين الناس آمناً، لا يرقص قلبه لثناءهمفيميل، ولا يخاف ذمّهم فينحني. يسمع المديح فيشكر، ويسمع النقد فيتأمل، لأن قيمتهالحقيقية محفوظة عند ربه لا عندهم. وهذا، في جوهره، هو التحرر من عبودية الخلقإلى الحرية النفسية، ليكون العبد خالصاً لمن يملك القبول والرفعة والعزة في الدنياوالآخرة.

الإشكالية أن ثمة من تعلّق بالله وطلب رضاه وحده وأبدع في ذلك، لكنه لم يحسنتقدير الناس، وهو بذلك يعطّل أن يصل كل ذي فضل فضله، لأن التحرر من إرضاءالناس لا يعني بحالٍ أن نتجاهل الناس ونحرمهم من حقهم في الشكر والتقدير، فهناكباب عظيم من أبواب الخير هو الكلمة الطيبة التي توجه لمن يستحقها لتبني وترمّموتجبر وتُعزّز. والكلمة الطيبة في الميزان صدقة وفيها حياة للقلوب، والنبي صلى اللهعليه وسلم لم يمنعنا من الثناء الحسن الصادق، بل جعل الشكر على المعروف منتمام الإيمان: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله".

والتقدير المستحق الخالص يختلف في أصله وجوهره عن المديح المزيف والمجاملاتالمتصنعة، لأنه يُبنى اعترافاً بحقيقةٍ وقيمةٍ ثابتة.

وكتمان الحق عن صاحبه ظلمٌ، وهناك من لا يجد الشجاعة ليشكر أو يعترف بفضلأحدهم، في حين يقدر آخرون على المبالغة حد الغشّ والنفاق دون ضابط أو حد.

وقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة ما أشارت إليه هذه القيمة التي عززها الإسلام،فالإنسان ينمو ويزدهر حين يجد من يقدره حق قدره، ويُحدث تجاهل الناس وغيابالتقدير في النفس فراغاً وظلماً يصل حد القهر والمرض. في حين يبني التقدير الصادقالطاقات الكامنة ويُطلقها، ويحفز على المزيد من العطاء، فهو غذاءٌ نفسي لا يقل أهميةعن غذاء الجسد.

والفرق إذن ليس بين أن نُمدح أو لا نُمدح، بل بين أن يكون مصدر تقديرنا لأنفسنا ثابتاًعند الله، وأن يكون تقديرنا لغيرنا صادقاً منطلقاً من الحق لا من المصلحة. فإذا أدركناهذا الميزان، وعرفنا أن رضا الله هو الغاية التي لا تُترك، ورضا الناس هو السراب الذي لايُدرَك، فهل يستدعي ذلك، في زحام حياتنا اليومية، أن نتوقف لحظةً ونتساءل عنالميزان الذي نزن به أنفسنا في خلواتنا، بعيداً عن أعين المادحين والمنتقدين، وهل نفرق بين المتصنعين و المقدرين الصادقين؟.

د. فضيلة قرين

مونتريال جويلية 2026