لَسنا أبرياء؟ السلامة من الإيمان وغيابها ذنبٌ نتقاسمه جميعًا..
أكتب للضمائر الحية التي تعتبر الحياة الطيبة الآمنة فعل مشترك، وتساهم في جعل العالم مكان آمن للجميع.. هؤلاء هم الرفقاء والأصدقاء ولهم نكتب وبقراءتهم ومتابعتهم أتشرف….


كيف يكون طبيعيًا ونحن لسنا في حالة حرب أن نستيقظ في صباح واحد، وفي مدينة واحدة، على ست جنائز على صفحات الفيسبوك، لا تجمع بينها قرابة، أربع منها حوادث أليمة يجمعها إهمال واحد متكرر. طفل سقط في حفرة صرف صحي تركهامقاول دون غطاء منذ أشهر طويلة، وعامل بناء سقط من الطابق الخامس لأن حزامالأمان لم يكن يومًا في قاموسه، وأسرة بأكملها فنيت عن بكرة أبيها وهي نائمة بسببتسرب غاز من أنبوب لم يُفحص منذ تركيبه، وحادث مرور بسبب مطبٍّ ("دودان") نُصب كأنه جبل في طريق سريع… وكلنا يعرف جيدًا أن هذا يحدث فعلًا في يوم واحد،ويحدث الأفدح كل يوم، في مدينة واحدة، ولا نحتاج إلى حاسبة لنعرف كم إنسانًا يموتيوميًا في بلد يقارب تعداده الخمسين مليونًا. ومع ذلك لا نرى خبرًا عاجلًا، ولا تكادتتناولها القنوات لكثرتها وفداحتها، ونادرًا ما نسمع عن تحقيق يُفتح أو مسؤول يُسأل،فضلًا عن مدير أو وزير يستقيل ويركع باكيًا، فذلك لا يحدث إلا في اليابان، حيث يُعتبرالإهمال إخلالًا بالشرف.
نرى يوميًا الجنائز الكثيرة والمصائب على صفحات التواصل وكأننا في حالة حرب،فتصيبنا بالإحباط والحزن العميق، فنكتب تحتها جميعًا "اللهم ارحم"، ثم نمرّ مرورًاكريمًا، لا نسأل، ولا نُسائل، ولا نتساءل. نترحّم على الميت لكن لا نسأل عن القاتلالحقيقي، ونعرف جميعًا أنه الإهمال الذي لا اسم له ولا وجه يُحاسَب. فهو الجميع، بمافيهم نحن، نعم نحن، فلا تستغربوا ذلك كثيرًا.
المثير في الأمر أن هذا لا يحدث في مجتمع خالٍ من المؤسسات، ولا في مدينة بلامدارس وجامعات ومثقفين. عندنا أساتذة جامعات يدرّسون الهندسة والطبوالقانون، وعندنا أذكياء وشعراء وكتّاب وصحفيون ومؤثرون، وعندنا وزارات وبلدياتومفتشون، وعندنا خطباء وعلماء يتحدثون كل جمعة عن الرحمة وحفظ النفس. فكيفتجتمع كل هذه المؤسسات والعقول، ثم نحن عاجزون تمامًا عن احتواء معضلة بهذاالحجم، أو حتى إغلاق حفرة في طريق، أو إلزام مبنى بمخرج طوارئ، أو فحص أنبوب غازقبل أن يقتل أسرة بأكملها؟ ولماذا يتكرر ذلك دون أن يأكلنا جميعًا تأنيب الضمير؟وكيف نمر بهذا البرود المقيت عن كل الحوادث وكأنها أمر عادي؟ أين الخلل، أيهاالسيدات والسادة؟!
سأتطوّع هنا بفتح الجرح ومحاولة التنظيف، قد يكون مؤلمًا بعض الشيء، ولكن ليسكفداحة الموت الذي يحصد أرواحًا بريئة كل يوم بسبب الإهمال. فقبل كل شيء، دعنانفهم شيئًا عن السلامة والأمان، وكيف تتكوّن ثقافة الأمان من الأساس، فهي كماتعرفون يا سادة لا تولد كاملة في ليلة، ولا تحدث من نفسها، بل تنمو وتتراكم، وتمرّبمسار يشبه نضج الإنسان نفسه: جنينًا فرضيعًا فطفلًا، حتى تكتمل بنيته.
في المجتمعات التي نرى فيها ثقافة الأمان والسلامة ماثلة رأي العين كما نرىالأشخاص، لم يأتِ ذلك ذات صباح بقرار من حاكم، أو بجهد شخص شجاع واحد، أوكاتب فذ منفرد، بل جاء من حادثة كبرى هزّت الضمير العام؛ حريق في مصنع، أو انهيارمبنى، أو غرق سفينة، أو حريق في بيت. فلم يكتفِ الناس يومها بالحزن والعزاء، بلأصرّوا على السؤال والمساءلة: لماذا حدث هذا؟ ومن المسؤول؟ وكيف نمنع تكراره؟وذلك هو السؤال الذي يحيي وينقذ، حين يطرح بإصرار ولا يسكت عنه، لأنه حجرالأساس. ثم يتحوّل ذلك الغضب الجماعي والزخم الإعلامي إلى ضغط حقيقي علىالمؤسسات، فتتجاوب الحكومات بسنّ قوانين لا تترك للاجتهاد الشخصي مجالًا. ثمتأتي الخطوة الأعمق أثرًا، وهي دخول ثقافة الأمان إلى المدرسة، لا كمقرر دراسي أو مجرد مادة تُحفظ وتُنسى، بل كسلوك يتكرر يوميًا ويُمارَس حتى يصبح جزءًا من تكوينالطفل طيلة مراحل الدراسة. وحين يكبر ذلك الطفل، يحمل معه هذه القناعة إلى عملهوبيته، ويصبح هو من يرفض العمل دون خوذة، وهو من يبلّغ عن الخطر، وهو من يربيأبناءه على القاعدة ذاتها التي تربّى عليها، دون أن يشعر أنه يبذل جهدًا استثنائيًا، أو أنهيبالغ في الحماية، أو يعوّد أطفاله على حياة سهلة، رغم أن كثيرين بيننا ما زالوا يرون أن"الرجولة" تُصنع بالسقوط والجروح والتعرض للتنمر والعنف، لا بالوقاية. وهكذا، وفيمجتمعات اختارت الأمان جيلًا بعد جيل، تحوّل القانون إلى عادة، وترسّخت العادة فيالنفوس والعقول حتى صارت ثقافة. فانظر من حولك في تلك المجتمعات، تجد إنسانًامتعاونًا منظمًا حريصًا على تنفيذ القوانين حرصًا فطريًا كأنه طبيعة ثانية، انطلاقًا منقناعة ثابتة أن ذلك في مصلحته كما هو من مصلحة الجميع.
أما السؤال الذي يخصّنا نحن ويهمنا منزلة هذا، فهو: أين انقطع بنا المسار؟ أليس منالمفترض أننا مثل ذلك وأفضل بكثير، لأن بحوزتنا كل تلك القواعد والتشريعات؟ لماذاتقع عندنا كل تلك الحوادث الأليمة ثم تتكرر في استمرار معيب، يحدث ذلك الغضباللحظي والفوران، ثم إذ بالخيط ينقطع في المرحلة الثانية، حين يُفترض أن يتحولالامتعاض إلى قانون ملزم لا يُستثنى منه أحد، لا بنفوذه ولا بمعارفه أو عائلته أوأصدقائه؛ لأن القانون حين يُكتب ويُشرَّع، ثم لا يُطبَّق بصرامة ويد واحدة على الجميع،يفقد مصداقيته وقدرته على أن يتحول إلى عادة أو ثقافة. وقد أرسى نبينا ﷺ هذا المبدأفي كلمتين خالدتين سبقتا كل تشريع حديث: "لا ضرر ولا ضرار"، فجعل من دفع الضررقبل وقوعه أصلًا من أصول الشريعة، لا فرعًا يُستأنس به عند الحاجة. فحين نتهاون فيتطبيق القانون، فإننا لا نخالف نظامًا وضعيا فحسب، بل نُعطّل قاعدة شرعية راسخة. وهنا يكون الانقطاعُ، وعدم الانتظام، وعدم الاحترام، وعدم الاكتراث، بل وإعداماتكثيرة للقانون إلى أن يموت وينسى.
وحين يصل الأمان إلى المدرسة، فغالبًا ما يبقى معلومة تُلقَّن في درس منقطع ولاتُمارَس كسلوك، فيخرج الطفل حافظًا لكل القواعد، يُمتحَن فيها وينجح، ثم لا علاقة لهابحياته. وهذا الانقطاع المتكرر، الذي يجر الخيبة جيلًا بعد جيل، هو ما يجعلنا نملكبذور ثقافة أمان لم تثمر بعد، بعيدة كل البعد أن تصبح تلك الشجرة الوارفة الظلالآمنة.
ولماذا نعجب من ذلك، ونحن كأمة مسلمة لم نفتقر يومًا إلى أسس دينية ترسّخ فيناالأمان وتزرع فينا هذا الوعي كل يوم منذ قرون، وبحوزتنا أقدم منظومة تحفظ الروحوالجسد، سبقت كل التشريعات البشرية المستحدثة بقرون. فالله تعالى يأمرنا ألا نُلقيبأيدينا إلى التهلكة، والمعنى لا يقف عند حافة الجبل أو أمام النار، بل يشمل كل سقوطيمكن تفاديه، وكل خطر يُترك عمدًا أو إهمالًا في طريق الناس. وأداء الأمانة عندنا ليسخُلقًا اختياريًا، بل أمرٌ إلهي صريح: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾،فالمهندس الذي يتساهل في الحساب، والمقاول الذي يغلق حفرة إغلاقًا ناقصًا، والفنيالذي يوقّع على فحصٍ لم يُجرِه، كلهم خانوا الأمانة قبل أن يخالفوا قانونًا.
وفي القرآن آيات محكمات في حفظ النفس البشرية أعمق وأبعد أثرًا من كل ما عرفهالبشر: (فمن أحيا نفسًا فكأنما أحيا الناس جميعًا)، فحفظ النفس من أعظم مقاصدالشريعة ولبها ومدار التشريع والقوانين. ولذلك، من الطبيعي ونحن نمارس هذا الدينونسمع هذه الآيات أن نبادر بكل وعي إلى إصلاح درج مكسور، وإغلاق حفرة مهملة،وعدم ركن السيارة أمام مخرج طوارئ، واحترام قوانين المرور، والبعد عن الأذى ظاهرهوباطنه، لأن في إهمال ذلك كله زهقًا لأرواح. بل من المتوقع ومن الطبيعي أن نبادر إلىكل ما يمكن أن يكون سببًا مباشرًا في إبقاء نفس على قيد الحياة، لأنه في وزنه عند اللهكإحياء الناس جميعًا، وبالمقابل يكون إهمالها حتى قتلها فسادًا عظيمًا وجرمًا عظيما.
هكذا أُمرت هذه الأمة ألا تفسد في الأرض بعد إصلاحها، والإفساد هنا ليس فقطالتدمير وما أكثره في مدننا وأحيائنا ، بل كل إهمال يحوّل عمارة آمنة إلى مقبرة، وحفرةإلى قبر طفل، وسلكًا مهملًا إلى موت إنسان حرقًا بالكهرباء، وقاعة مستشفى تضجبالناس كالسوق، وأجزم أن بعض المرضى يموتون اختناقًا من الضجيج والفوضىوالصراخ وهم في أضعف وأحرج لحظات حياتهم بين الحياة والموت. رأيت ذلك كله بأمعيني، ولم أستطع أن أمرّ من هناك بسلام.
وهذا مع الأسف الشديد سيضعنا أمام سؤال لا نحب أن نواجهه، ومن الصعب التعاملمعه: من قال إننا أبرياء؟
من أين لنا بضمير ينعم بكل هذه الراحة او كما يقول الإنجليز بارد مثل خيارة بينما الناستموت إهمالًا وتقصيرًا على مرأى ومسمع من كل واحد فينا؛ مدير المستشفى، والطبيبفي العيادة، والأستاذ في المدرسة، والمسؤول الأعلى، والأب في بيته، والأم مع أولادها؟أقصد الجميع بدون استثناء، دعوني إذن أتّهمنا جميعًا، فمن قال إن الله سيسامحنا إذاكان لنا يد، من قريب أو بعيد، في موت إنسان أو أذاه؟
وإن وجدتم هذا السؤال صعبًا، فاعلموا أن الأصعب منه، والأوجَع، أننا فعلًا جزء لا يتجزأمن هذه المجتمعات التي تموت من الإهمال. فنحن أمة جاء فيها أن أدنى شعبالإيمان أن تميط الأذى عن الطريق، وأن في ذلك صدقة، بل جاء في أثرنا أن رجلًا غفر اللهله لأنه أزاح غصن شوك كان يؤذي المارة، وآخر دخل الجنة لأنه نحّى عن طريقالمسلمين غصنًا مؤذيًا. عملٌ بهذا الحجم صار سببًا لمغفرة ودخول الجنة. فماذا نقولنحن حين نمرّ بالسلك المكشوف فلا نبلّغ عنه، ونرى الحفرة فنتجاوزها؟ ونرى أكوامالمهملات تتسلق الجدران والمساحات الخضراء من حولنا ولا نحرك ساكنًا. أليس فيصمتنا هذا نصيب من الأذى الذي حُذّرنا منه؟ وقد علّمنا نبينا أن للطريق حقًا، وأن منحقه كف الأذى عنه، وأن المسلم الحق هو من سلم الناس من لسانه ويده، لا من سلمهو من المساءلة ونفذ من العقاب. بل لعلنا نقترف ما هو أسوأ من ذلك، حين نؤديبعضنا بعضًا بقلوب باردة، فلا نُقيم للمريض ولا العجوز ولا الضعيف ولا الطفل ولاالكفيف ولا المُعاق وزنًا، ونعيش في أحياء تعج بالمخاطر، ونتفرّج جميعًا على معاناةالناس، ونمرّ من هناك متفرجين مرتاحين تمامًا، لأننا نتصور أن ذلك بعيد عنا جدًا، وهو بالله قريب. فهل نحن حقًا أبرياء؟
إن إماطة الأذى وحدها، مهما عظم أجرها، تبقى فعلًا فرديًا ما لم تتطور لتصبح وعيًاجماعيًا يتشرّبه المجتمع كله. وهنا نصل إلى مرحلة نضج تُسمّى المسؤولية الجماعية،والتي لم تكن يومًا هامشًا في تصورنا الإسلامي، لأنها جوهر العمران والاستخلاف، وروحالتطور والرقي، ولن تفلح أمة ليس لها نصيب منها، فهي مثل مخزون الذهب في البنوكالدولية والمحلية. لأن المسلم لا يعيش لنفسه، وهو مؤتمن على كل ما حوله، وكماائتمنه الله على صلاته وصيامه، كلّفه أيضًا أن يقوم بمسؤولياته كلها بالقدر ذاته منالجدية والأهمية. ولذلك حين قال نبينا ﷺ إن كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، لم يقصدالحاكم وحده، بل رسم دائرة مسؤولية تبدأ من الفرد وتتسع لتشمل جاره وحتى عابرالسبيل في طريقه. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مقولته الخالدة: "لوعثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لم تسوِّ لها الطريق يا عمر؟" فانظروا كيف امتدت مسؤولية الخليفة في وعيه إلى حجر في طريق، وحفرة في أرض،وبهيمة لا تنطق، فكيف بنا اليوم، ونحن أولى بهذا الوعي، حين تسقط في حفرتنا أرواحبشرية لا بهائم؟
وهذه المسؤولية تنمو تدريجيًا؛ تبدأ من ضمير فردي يستشعر أن الله يراه حتى فيأصغر التفاصيل، ثم تتسع لتربطه بمن حوله برباط أعمق من الجوار العابر، ولذلك شبّهنبينا المؤمنين بالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبّههم بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منهعضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، في تناسق وتناغم يعكس روح التعاون. فحين يسقط طفل في حفرة في حيّنا أو بعيدًا عنا أو في الحي القريب المجاور، لا يحقلنا أن نشعر أن الأمر لا يخصّنا، لأن الجسد واحد، والهمّ واحد، ونحن جميعًا مسؤولونأمام الله مدنيًا ودينيًا.
وهذه المسؤولية لن تتحول إلى سلوك راسخ، ولن تتفعّل بمجرد سماع بعض المواعظأو قراءة بعض الكتب، فهي حصيلة تربية متصلة، تبدأ من البيت حين يرى الطفل أباهيصلح حفرة في الطريق دون أن يُطلَب منه ذلك، ويتطوع فيصلح كل ما فسد حوله،وتمتد إلى المدرسة حين يكون الطفل نفسه آمنًا ومشارِكًا في كل ما هو آمن، وتكتملحين يكبر فيجد نفسه تلقائيًا من يبلّغ عن الخطر ويرفض العمل في بيئة غير آمنة. وهنايصبح التديّن تديّنًا عمرانيًا مساهمًا ونافعًا للناس، يتجلّى في حفظ الطريق ولو بأبسطالأدوات؛ بإشارة خشبية بسيطة، أو لافتة ورقية فنية لا تكلف دينارًا، أو حملة توعيةمكثفة تستهدف الناشئة حتى ترسخ وتبقى.
لا أريد أن أطلي بالعسل على جرح متقرح. ثم تساءلت بعدها: أليس من الأمانة ومنالذوق ألا نطرح موضوعًا بهذه الخطورة بأسلوب يفقد معناه؟ لأنه لا يكفي أن نعرفونشرح كدرس آخر وموعظة أخرى، فأرجو أن تعيروني انتباهكم كله. إذ لا بد أن يتحركالمعلم فيخصص دقائق من كل حصة للحديث عن خطر صغير وكيفية الوقاية منه،ومن إمام يجعل من خطبة الجمعة، مرة كل شهر، مناسبة للحديث عن إماطة الأذىبمعانيها الكثيرة المتشعبة؛ من إصلاح حفرة، إلى الإبلاغ عن فساد أو خطر محقق، ولابد من جمعيات مدنية متعددة، كما فعلت مجموعات شبابية في أكثر من مدينة، فقدقرر طلاب طب متطوعون أن يجوبوا الأحياء لتعليم الناس الإنعاش القلبي الرئوي، بعدوفاة طفل اختنق أمام أعين أهله العاجزين. وقامت جمعيات شبابية أخرى فغيّرت وجهمدينتها بلافتات خشبية فنية للحفاظ على المرور والبيئة والسلامة في وسط المدينة،وبدأت مبادرات أخرى بشباب قضوا سهرة يخططون للقضاء على مشكلة في حيّهم، أويرسمون جدارًا ويخطون عليه مقولات محفزة وصحية، كما حدث في مدينة العلمةبسطيف، أو مجموعة تجار يوزّعون حقائب إسعافات أولية ويبنون ويصلحون حدائقعامة لسلامة الأطفال.
إن مبادرات صغيرة كهذه أنقذت لاحقًا أرواحًا كان يمكن أن تُحصى ضمن ضحاياالإهمال التي نمر عليها بكلمة "قدر الله"، بينما هي في حقيقتها اختناق أو نزيف كانيمكن تفاديه. والله لا يحب الفساد.
لا أحد يملك أن يعيد من فقدناهم للإهمال وعدم الأمان، ولسنا هنا لنأسف أو نحزن أونتلاوم، لكن إذا مررتَ من هنا وقرأت هذا المقال، فاعلم أنك مسؤول، وأينما كنت أوهربت فأنت مسؤول، ولن تكون بريئًا في كل مرة يموت فيها أحدهم إهمالًا، بينما كانمن الممكن أن تكون طرفًا في إحياء الناس.
يعني ذلك أنه لا يكفينا أن نقوم بالترحّم الشرعي الجميل وحده، فهو أقل الواجبوآخره، ولا يكفي شعور الرضى بالقضاء والقدر خيره وشره، فليس ذلك وحده من تمامالإيمان. وقد علّمنا نبينا ﷺ أن من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطعفبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، فكيف حين يكون بيننا من يقدرأن يمنع الشرّ فلم يفعل؟ فكل واحد فينا يحمل جزءًا من أمانة لا يجوز أن يتركها لغيره؛فنحن أمة واحدة، وجسد واحد، والطريق التي لا نُميط عنها الأذى تبقى أذى، حتى يأتيمن يرفعه عنها، أو يسقط فيه من لا حول له ولا قوة له. وأنا وأنتَ وجميعنا سنُسأل يومًا: ماذا فعلنا حين رأينا الحفرة؟
سأشارككم مع هذا المقال ثلاث صور ناطقة عن ثلاثة مجتمعات: مجتمعٌ أصبح فيهالأمان والسلامة ثقافة راسخة شاخصة، ومجتمعٌ تعوّد على الحفر والخطر، ينتظر عبثًامن يأتي ليسدّ الحفرة ويصلح الخلل، وحتى ذلك الحين سيموت أطفال، ويسقط عمال،وتقع كوارث، ومجتمعٌ ثالث قليل الموارد، لكن وعيه وثقافته في السلامة عاليان،فاستعمل موارده البسيطة من خشب وورق ورسوم فنية على الأرض والجدران لينشرالوعي بالأمان. وهذا هو المطلوب ودليل أن ثقافة الأمان والسلامة لا تحتاج بالضرورةإلى ميزانية مليونية، بل تحتاج أولًا إلى وعي وضمير حيّ. وأترك الباقي لكم ولحسن فهمكم وتقديركم.
د. فضيلة قرين
مونتريال، جويلية 2026